محمد كريم.
أشعل تصريح وزير الصناعة والتجارة المغربي رياض مزور نقاشًا واسعًا.
وامتد هذا النقاش داخل الأوساط الإعلامية وبين أبناء الجالية المغربية في الخارج.
وبين مَن اعتبر التصريح موجَّهًا لفئة محدودة، ومن وظَّفه لإثارة خطاب المظلومية،
برزت تساؤلات أعمق: من يملك حق تمثيل الجالية؟ وأين تقع الحدود بين الدفاع عن مصالحها واستغلال اسمها؟
اعتذار مزور: السياق الحقيقي للتصريح.
عاد الوزير رياض مزور ليقدم اعتذارًا واضحًا للجالية المغربية بالخارج.
وأكد أن تصريحه جاء ردًّا على مسلكيات مستفزة من بعض الفاعلين.
فهؤلاء يعتقدون أن صفة “مغاربة العالم” تمنحهم حرية التهور والتعالي.
وهو ما لا يتناسب مع طبيعة الفضاءات الرسمية والمقامات المؤسسية.
لكن الاعتذار لم يُغلق الملف. بل فتح الباب أمام موجة من التوظيف الإعلامي.
وهنا بدأت المشكلة الحقيقية تتضح: من يتحدث باسم استثمار الجالية المغربية بالخارج؟
جمعية المستثمرين المغاربة: تمثيل حقيقي أم ورقة ضغط؟
خرج رئيس جمعية المستثمرين المغاربة بالخارج في إحدى القنوات الإعلامية.
انتقد تصريح الوزير. لكنه تحدث بلغة المظلومية و”الحكرة”.
وفي زلة لسان، طالب بإنشاء مجمعات صناعية خاصة بالجالية.
وهو مطلب يثير تساؤلات جدية حول طبيعة هذا التوجه.
رقم الـ 1500 مستثمر: دلالة أم أداة ضغط؟
أعلن رئيس الجمعية أنها تضم قرابة 1500 مستثمر مغربي.
هذا الرقم، في حد ذاته، ليس مشكلة.
لكن طريقة توظيفه في النقاش العام تستدعي التأمل.
فاستعمال الأعداد كورقة ضغط يُذكِّر بممارسات انتخابية.
وهي ممارسات تقوم على التفاوض بعدد الأصوات لتحقيق مكاسب معينة.
هذا الأسلوب لا يخدم استثمار الجالية المغربية بالخارج بقدر ما يضرّه.

قانون الاستثمار المغربي: المساواة مبدأ لا استثناء
يجدر التذكير بمبدأ جوهري في المنظومة الاقتصادية المغربية.
فقانون الاستثمار في المغرب لا يميّز بين مستثمر محلي أو من الجالية أو أجنبي.
المشاريع تخضع لدراسة دقيقة وفق معايير واضحة وشفافة.
والفرص متاحة للجميع متى توفرت الشروط المطلوبة.
واقع استثمار مغاربة العالم: الصورة الحقيقية بعيدًا عن الخطاب
تكشف الأرقام والوقائع أن أغلب استثمارات مغاربة العالم تبقى متواضعة الحجم.
وتتجسد في الغالب في شراء عقار أو فتح محل تجاري صغير.
أو إطلاق مشروع يضمن حياة كريمة بعد العودة والتقاعد.
وهذا في حد ذاته أمر إيجابي ومحمود.
فالمغاربة المقيمون في الخارج يساهمون في الاقتصاد الوطني عبر التحويلات المالية.
وقد وصلت هذه التحويلات إلى مستويات قياسية في السنوات الأخيرة.
المغاربة في الداخل والخارج: نفس الانتماء ونفس الواجب
الجالية المغربية بالخارج ليست كتلة واحدة يمكن توظيفها في المزايدات.
فكما هناك مغاربة يستثمرون خارج الحدود، هناك عائلات في جبال الأطلس.
وهناك جنود مرابطون على الحدود يدافعون عن الوطن.
الجميع أبناء هذا البلد. يجمعهم نفس الانتماء ونفس الواجب.
لا يحق لأي جهة ادعاء احتكار تمثيل استثمار الجالية المغربية بالخارج أو التحدث باسمها.
منصات التواصل الاجتماعي: استغلال الجدل لتحقيق مكاسب رقمية
لم يقتصر توظيف هذا الجدل على الوسائط التقليدية.
فقد تناول عدد من صانعي المحتوى القضية عبر يوتيوب وغيره.
وانتهت بعض هذه المقاطع بدعوات صريحة لزيادة الإعجابات والمشاركات.
وهو ما يكشف عن استغلال سافر لقضية تمس مصالح حقيقية.
الجالية المغربية تستحق أكثر من سجالات إعلامية
إن النقاش الصحي حول استثمار الجالية المغربية بالخارج ضروري ومطلوب.
لكنه يجب أن يرتكز على معطيات موضوعية وأرقام دقيقة.
لا على خطاب المظلومية أو توظيف الأرقام كأوراق ضغط.
المغاربة في الخارج شركاء حقيقيون في التنمية الوطنية.
وهذه الشراكة لا تحتاج إلى وسطاء يحتكرون تمثيلهم.
بل تحتاج إلى سياسات واضحة وبيئة استثمارية عادلة للجميع.



