جاليات

بوعجاجة… رحيل الصوت الذي أضاء القنصلية المغربية في برشلونة.

أحمد العمري – برشلونة. 

في رحيل بعض الأشخاص، لا يغيب الجسد فقط. يخفت معه صوت كان جزءًا من ذاكرة مكان بأكمله. هكذا كان حال القنصلية العامة للمملكة المغربية في برشلونة وهي تودّع أحد وجوهها المألوفة: بوعجاجة.

لم يكن بوعجاجة مجرد موظف بسيط. كان روحًا تسكن تفاصيل العمل اليومي. كان حضوره يُضفي على أروقة القنصلية دفئًا إنسانيًا لا يُعوَّض.

صوت بوعجاجة في القنصلية المغربية: علامة لا تُنسى.

كان صوت بوعجاجة علامة مميزة داخل القنصلية. كان يصدح عبر مكبر الصوت مناديًا المرتفقين للتقدم نحو شباك الأداء. ألِفه الجميع حتى صار جزءًا من طقوس المكان.

من يأتي لإنجاز وثيقة أو بطاقة وطنية أو جواز سفر، لا بد أن يمر عبر تلك اللحظة. لحظة يسمع فيها نداء بوعجاجة بنبرة هادئة لا تخلو من لطف وإنسانية.

القنصلية المغربية ببرشلونة تُبسّط طلب شهادة الجنسية المغربية للمقيمين بالخارج

ابتسامة بوعجاجة: درع ضد ضغوط العمل اليومي.

لم يكن الرجل يعرف للانفعال طريقًا. ولا كان للنرفزة مكان في قاموسه. يروي زملاؤه أنه، حتى في أصعب اللحظات، كان يواجه التوتر بابتسامة عريضة.

كانت تلك الابتسامة درعه اليومي ضد كل أشكال الضغط. صنعت له مكانة خاصة في قلوب من عرفوه، سواء من العاملين معه أو من المرتفقين. وهذا ما يجعل خسارته مؤلمة للجميع.

بوعجاجة في شباك الأداء: إنسانية وسط الإجراءات.

لم يكن غريبًا أن تسأل أي شخص مرّ بالقنصلية عن بوعجاجة، فيجيبك فورًا: “نعم، أعرفه”. كان يضفي جوًا من الألفة والمرح في شباك الأداء. ظل يشغل هذا المنصب لسنوات طويلة قبل تقاعده.

في ذلك الشباك، لم يكن يؤدي مهمة إدارية فقط. كان يخفف عن الناس عناء الانتظار الطويل. كان يمنحهم لحظة إنسانية حقيقية وسط زحام الإجراءات البيروقراطية. وهذا ما يُميّز موظفًا عن آخر، وما يجعل أثره يبقى بعد رحيله.

وضعية الأعوان المحليين في القنصليات المغربية بالخارج.

رحل بوعجاجة تاركًا وراءه تساؤلات صامتة. تساؤلات حول وضعية فئة الأعوان المحليين الذين يواصلون العمل بتفانٍ داخل القنصليات المغربية في الخارج.

يعمل هؤلاء في ظروف لا تعكس دائمًا حجم عطائهم. سواء من حيث الأجور أو الإشكالات المرتبطة بالإدارة الضريبية في البلدان المستضيفة. وفق منظمة OECD للتوظيف العام، يستحق موظفو الخدمات القنصلية اعترافًا أكبر بدورهم في دعم الجاليات.

قضية الأعوان المحليين تستحق نقاشًا جادًا. فهم يمثلون الواجهة الإنسانية لكل قنصلية، ويتحملون أعباءً يومية كبيرة.

بوعجاجة… ذاكرة مكان لا تمحوها السنين.

رحل بوعجاجة تاركًا وراءه أسرة وأبناء. ترك ذكرى طيبة لا تمحى في قلوب زملائه والمرتفقين. ترك صوتًا لا يزال يرن في أذهان كل من خطا قدمه داخل القنصلية المغربية في برشلونة.

كان ببساطته أكبر من مجرد موظف. كان ذاكرة مكان، وجزءًا من هوية جماعية يحملها آلاف المغاربة المقيمين في كتالونيا.

رحم الله بوعجاجة. وجعل ابتسامته شاهدة له، لا عليه. فقد أثبت أن الإنسان لا يُقاس بمنصبه، بل بالأثر الذي يتركه في قلوب الآخرين.

 

 

مقالات ذات صلة

Back to top button