جاليات

المساجد والعمل الإنساني في كتالونيا: غياب محيّر عن دعم المشردين.

هل يمكن إرغام القائمين على تسيير المساجد على الخروج من منطق التدبير التقليدي والانخراط في العمل الإنساني؟

أحمد العمري- برشلونة.

اتصل بي صديق يرأس جمعية مدنية بكتالونيا. أطلقت جمعيته حملة لتوزيع الأغطية على المشردين ببرشلونة. كان صوته مثقلاً بغضب عميق وحرقة صادقة. غضبٌ لم يكن موجّهًا إلى البرد القارس وحده، بل إلى صمتٍ طويل تنتهجه الجمعيات الدينية المشرفة على تسيير المساجد بكتالونيا. فئة هشة تبيت ليلها في العراء دون مأوى ولا كرامة.

أزمة المشردين في برشلونة: أرقام مؤلمة.

الجمعية  وجدت نفسها أمام سيل من الطلبات والاستغاثات. الطلبات تفوق بكثير إمكانياتها المحدودة. عدد المشردين في تزايد مستمر، والبرد لا يرحم. المبادرات الفردية، مهما كانت نيتها صادقة، تظل غير كافية. الحملة الحالية غير كافية لا من حيث الانتشار الجغرافي ولا من حيث الاستمرارية.

وفق مؤسسة Arrels للمشردين ببرشلونة، فإن أعداد المشردين في كتالونيا تشهد ارتفاعًا مقلقًا. جرى توثيق خمس وفيات في صفوف المشردين بجهة برشلونة هذا الشتاء. من بينهم مواطنون مغاربة قضوا نحبهم في صمت على الأرصفة.

المساجد والعمل الإنساني: غياب محيّر.

مساجد بميزانيات وازنة وغياب عن المشهد الإنساني.

الإشكال لا يكمن في غياب المال. مساجد عديدة بكتالونيا تتوفر على إمكانيات مالية لا يُستهان بها. مسجد بدر بتراسا ومسجد كورنيا نماذج لمساجد جُمعت فيها تبرعات المسلمين وصدقاتهم بدافع الثقة. ومع ذلك، يظل تدبير هذه الموارد محصورًا في منطق تقليدي. الدور يختزل في التسيير اليومي والشعائر دون امتداد اجتماعي حقيقي.

وفق تقرير منظمة كاريتاس الدولية حول الفقر في أوروبا، فإن المؤسسات الدينية تلعب دورًا محوريًا في مكافحة الفقر والتشرد. لكن المساجد بكتالونيا تظل غائبة عن هذا المشهد.

أسئلة حارقة تطرح نفسها.

هل توجد وسيلة لتحريك ضمير القائمين على مالية المساجد؟ هل هناك طريقة لدفعهم إلى الانخراط الفعلي في العمل الإنساني؟ ما الذي يضير هذه المساجد لو خُصّص جزء بسيط من ميزانياتها لشراء أغطية؟ ما الذي يمنع تنظيم مبادرات لتقديم وجبات ساخنة تُوزع ليلًا؟

العمل الإنساني غالبًا ما يقتصر على مناسبات موسمية خلال شهر رمضان. لكن المشردين يحتاجون الدعم طوال العام، خاصة في فصل الشتاء القارس.

الجمعيات الدينية بكتالونيا: مشكل رؤية لا موارد.

المسجد كمؤسسة مجتمعية.

مشكل الجمعيات الدينية بكتالونيا ليس مشكل موارد. المشكل يكمن في غياب الرؤية والأطر وحسّ المبادرة. المسجد، في جوهر رسالته، ليس فقط فضاءً للعبادة. إنه مؤسسة مجتمعية يفترض أن تكون في صلب قضايا الإنسان.

وفق منظمة الإغاثة الإسلامية، فإن المسجد تاريخيًا كان مركزًا للعمل الاجتماعي والخيري. في السياق الأوروبي، تتفاقم مظاهر الهشاشة الاجتماعية. ضرورة تفعيل الدور الاجتماعي للمساجد أصبحت ملحّة.

المسجد كمركز مجتمعي يجب أن يخدم القضايا الإنسانية

الإسلام في أوروبا: اختبار القيم.

إخراج المسجد من قوقعته التقليدية لم يعد ترفًا فكريًا. إنها ضرورة أخلاقية ودينية. الإسلام، في حضوره داخل المجتمع الأوروبي، يُختبر من خلال القيم التي يجسدها على أرض الواقع. لا من خلال الخطب والشعارات فقط.

تقرير البرلمان الأوروبي حول التشرد في أوروبا يشير إلى أن المؤسسات الدينية شريك أساسي في الحلول. غياب المساجد عن هذا الدور يطرح تساؤلات عن فعالية هذه المؤسسات.

رسالة مفتوحة: ليس الأوان قد فات.

هذه الكلمات رسالة مفتوحة لعلها تجد من يلتقطها. كما يقول الإسبان: Nunca es tarde — ليس الأوان قد فات بعد. إنها همسة في أذن من لا يزال فيهم شيء من الحس الإنساني.

المشردون في كتالونيا ينتظرون. لا ينتظرون الخطب والوعود، بل ينتظرون الفعل الحقيقي. غطاء يحميهم من البرد، وجبة ساخنة تحفظ كرامتهم، ومبادرة تعيد لهم الأمل.

الجمعيات الدينية المشرفة على المساجد مدعوة للعمل. الموارد موجودة، والحاجة ملحّة. ما ينقص هو الإرادة والرؤية. المسلمون الذين تبرعوا بأموالهم يستحقون أن ترى تبرعاتهم النور في أعمال إنسانية حقيقية.

 العمل الإنساني مسؤولية الجميع.

العمل الإنساني ليس رفاهية بل واجب ديني وأخلاقي. المساجد في كتالونيا تملك الموارد والقدرة على إحداث فرق حقيقي. غياب المبادرة يعني تخلٍّ عن المسؤولية تجاه الفئات الهشة.

المطلوب بسيط: تخصيص جزء من الميزانيات للعمل الاجتماعي، تنظيم حملات منتظمة، والتنسيق مع الجمعيات المدنية. الوقت ليس متأخرًا للبدء. الإنسانية تُعاني في صمت، والمساجد مدعوة لرفع هذا الصمت بالعمل الفعلي.

مقالات ذات صلة

Back to top button