جاليات

“اللي حن يتمحن”: الاختلال التنظيمي القنصلي ومسؤولية الإدارة المركزية المغربية.

تساهل بنوايا حسنة… ونتائج تسيء لصورة الإدارة المغربية.

أحمد العمري – برشلونة.

«اللي حن يتمحن»، مثل مغربي دارج يختزل واقعاً معاشاً داخل القنصلية العامة للمملكة المغربية ببرشلونة. فالتساهل الإنساني المشروع تحوّل إلى اختلال تنظيمي حقيقي. وباتت الفوضى تسيء إلى صورة الإدارة القنصلية المغربية في الخارج، وتمس بهيبة الدولة.

حين يصبح التساهل الإنساني سبباً في الاختلال التنظيمي القنصلي.

التعامل المرن مع الحالات الإنسانية يعكس بُعداً إيجابياً في عمل المرافق القنصلية. لكن حين يغيب التأطير والوضوح، ينقلب هذا التساهل من حل استثنائي إلى ممارسة يومية مُربكة. تفتح هذه الممارسة الباب أمام الإشاعة، وتُفقد نظام المواعيد القنصلية معناه ووظيفته الأصلية.

ما تعيشه القنصلية اليوم ليس نتيجة سوء نية من طاقمها. بل هو نتيجة غياب رؤية تنظيمية شاملة وواضحة. وانتشار الحديث بين المرتفقين عن إمكانية قضاء بعض الخدمات دون موعد يعكس ارتباكاً ملموساً. يجد المواطن المنضبط نفسه ينتظر ساعات طويلة، فيما تُدمج طلبات استثنائية داخل نفس الحيز الزمني المخصص للمواعيد.

ازدحام المواطنين المغاربة أمام القنصلية في برشلونة بسبب غياب التنظيم القنصلي

تدخل الشرطة الكتالونية: مشهد لا يليق بمؤسسة قنصلية.

خلق هذا الوضع احتقاناً دائماً أمام بوابة القنصلية. بلغ هذا الاحتقان حد تدخل الشرطة الكتالونية Mossos d’Esquadra في أكثر من مناسبة لتنظيم الصفوف. هذه المشاهد لا تليق بمؤسسة تمثل دولة يُفترض أن يكون تنظيم إدارتها بالخارج عنواناً للانضباط والاحترام.

الاختلال التنظيمي القنصلي لا يُصحَّح بالاكتفاء بلوم الموظفين. المسؤولية تتجاوز الطاقم المحلي إلى مستويات أعلى وأعمق.

تدخل الشرطة الكتالونية موسوس ديسكوادرا لتنظيم الصفوف أمام القنصلية المغربية في برشلونة

المسؤولية الحقيقية تقع على الإدارة المركزية المغربية.

تحميل المسؤولية الكاملة للمصالح القنصلية يبقى تبسيطاً مُخلاً. المسؤولية الحقيقية في هذا الاختلال التنظيمي القنصلي تقع على عاتق وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج. يُفترض بها مواكبة الضغط المتزايد على القنصليات المغربية بالخارج. ويستلزم ذلك تعزيز الموارد البشرية وتكييفها مع حجم الطلب الحقيقي.

ترك القنصليات تواجه الاكتظاظ بإمكانيات محدودة وحلول ظرفية ليس خياراً مقبولاً. وزارة المغاربة المقيمين بالخارج مطالبة بتوفير الأطر القانونية والبشرية اللازمة لضمان خدمة قنصلية عادلة وفعّالة.

ضرورة تحديث مساطر شهادة حسن السيرة.

على الإدارة المركزية التعجيل بوضع تشريعات ومساطر واضحة وفعّالة. يتعلق الأمر باستجابة قنصلية سريعة لطلبات شهادة حسن السيرة في آجال قصيرة ومعقولة. يجب ألا تتجاوز هذه الآجال بضعة أسابيع. هذا وحده يخفف الضغط عن القنصليات، ويُقلص الحاجة إلى الحضور المتكرر، ويضع حداً للإشاعات التي تُغذي الفوضى. وتبقى بوابة الدبلوماسية المغربية المرجع الرسمي لمتابعة هذه المستجدات.

تدخل ضروري للحد من الاختلال التنظيمي.

ما تعيشه القنصلية اليوم ليس نتيجة سوء نية، بل نتيجة غياب رؤية تنظيمية شاملة. فانتشار حديث المرتفقين عن إمكانية قضاء بعض الخدمات دون موعد، سواء كان صحيحاً أو مجرد إشاعة، يعكس واقعاً ملموساً من الارتباك، حيث يجد المواطن الذي احترم المسطرة نفسه منتظراً لساعات طويلة، في مقابل إدماج طلبات استثنائية داخل نفس الحيز الزمني.

من الاستجابة الارتجالية إلى منطق الاستباق القنصلي.

بناء علاقة ثقة بين المواطن المغربي والإدارة القنصلية لا يتحقق بالتساهل غير المنظم. يتحقق بالوضوح، وبالسرعة، وبالعدالة في تقديم الخدمة. حين يطمئن المواطن إلى معالجة طلبه داخل أجل معقول، لن يندفع إلى التكدس أمام القنصلية، ولن يبحث عن استثناءات.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الإدارة المغربية إلى الانتقال من تدبير ردّ الفعل إلى منطق الاستباق. هذا الانتقال ضروري لحماية صورة المغرب في الخارج، ولصون كرامة المرتفق. والهدف الأسمى هو ألا يتحول الحس الإنساني إلى سبب في الفوضى، ولا «الحنان» إلى «تمحين».

مقالات ذات صلة

Back to top button