إسبانيا24.
في قلب البرلمان الإسباني، تحوّل نقاش عابر إلى حدث سياسي بامتياز. وجّه النائب Gabriel Rufián عن الحزب الجمهوري الكتلاني ملاحظة ساخرة لرئيس الحكومة Pedro Sánchez، مفادها أنه يتمتع بـ”potra” أي الحظ الاستثنائي. لكن ردّ سانشيز لم يكن عادياً. حمل الردّ أبعاداً سياسية أعمق من مجرد مزحة برلمانية، وكشف عن صراع حقيقي حول سردية الحكم في إسبانيا.
ردّ سانشيز على اتهامات الحظ في السياسة الإسبانية.
سانشيز لم ينفِ العبارة فقط، بل قلبها رأساً على عقب. قال بسخرية واضحة: “أي حظ؟ الجائحة، البركان، الفيضانات، الحرب في أوكرانيا، في غزة، في لبنان، في إيران…”. كانت إشارة صريحة إلى سلسلة الأزمات التي طبعت ولايته.
بهذا الردّ، سعى رئيس الحكومة إلى إعادة صياغة النقاش بالكامل. انتقل الخطاب من صورة “الرئيس المحظوظ” إلى صورة “الرئيس الذي يواجه أزمات متتالية”. هذا التحول البلاغي يعكس استراتيجية واضحة لتثبيت صورة القيادة في زمن الأزمات.
البلاغة السياسية: أداة في معركة السرديات.
الردود البلاغية في السياسة ليست صدفة. هي رسائل مدروسة موجهة لجماهير متعددة في آنٍ واحد.
الردّ القوي في السياسة لا يُفيد فقط في لحظته. بل يُعيد تأطير الصورة الذهنية لدى الناخب على المدى البعيد. وهذا تحديداً ما فعله سانشيز.
رسالة سياسية موجهة لثلاثة أطراف.
اللافت أن سانشيز أضاف بوضوح أنه “فخور بأن اليسار هو من يحكم في هذه المرحلة الصعبة، وليس اليمين”. هذه العبارة تكشف أن الردّ لم يكن تفاعلاً لحظياً. كان رسالة سياسية مدروسة.
من هم المستهدفون بخطاب سانشيز؟
الرسالة وُجِّهت لثلاثة أطراف في وقت واحد. أولاً، المعارضة اليمينية، لتأكيد أنها لم تكن لتدير الأزمات بشكل أفضل. ثانياً، حلفاء الحكومة، لطمأنتهم بأن المشروع اليساري لا يزال متماسكاً. ثالثاً، الرأي العام، لتأطير المرحلة كاختبار قيادي حقيقي لا كمسألة “حظ”.
هذا النوع من الخطاب متعدد الأهداف سمة مميزة للسياسيين المحنكين. وهو يُظهر وعياً عميقاً بآليات السردية السياسية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

السياق الأزموي لولاية سانشيز في إسبانيا.
جاء هذا التبادل في جلسة برلمانية تناولت قضايا دولية بالغة التعقيد. في مقدمتها الحرب في الشرق الأوسط والتوترات المرتبطة بإيران. إضافة إلى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية المتراكمة.
مداخلة روفيان نفسها لم تكن بعيدة عن النقد السياسي المضمر. حاول من خلالها التلميح إلى أن نجاح الحكومة مرتبط جزئياً بظروف خارجية. وهو ما رفضه سانشيز بشدة ووضوح.
أزمات شكّلت ملامح الحكومة الإسبانية.
جائحة كوفيد-19 كانت الاختبار الأول والأصعب. تبعه ثوران بركان لابالما في جزر الكناري عام 2021. ثم جاءت فيضانات فالنسيا المدمرة في أواخر 2024. وكلها أزمات تزامنت مع حروب إقليمية متعددة غيّرت موازين الطاقة والاقتصاد العالمي.
يرى المحللون السياسيون أن هذا التراكم الأزموي منح الحكومة ذريعة دائمة للتأخر في الإصلاحات. لكنه في الوقت ذاته وفّر لسانشيز خطاباً شعبياً قوياً.
صراع السرديات: معركة الشرعية في السياسة الإسبانية.
في العمق، يكشف هذا السجال عن صراع أكبر بكثير حول “سردية الحكم” في إسبانيا المعاصرة. هل تستمر الحكومة بفضل كفاءتها في إدارة الأزمات؟ أم أن السياق الدولي هو من يمنحها فرصة البقاء؟
سانشيز اختار الإجابة بوضوح تام: لا وجود للحظ في السياسة. هناك إدارة للأزمات وتحمّل للمسؤولية في ظرف دولي استثنائي. وهو خطاب يجد صدى واسعاً لدى قواعده الانتخابية.
درس في فن الخطاب السياسي الإسباني.
ما فعله سانشيز يُدرَّس في كتب التواصل السياسي. حوّل موقف الضعف إلى نقطة قوة. وحوّل السخرية إلى فرصة لتثبيت السردية. هذا بالضبط ما يميز السياسيين الذين يصمدون في وجه الأزمات.
“potra” أم قيادة في زمن الأزمات؟
قد يبدو النقاش عابراً أو طريفاً في ظاهره. لكنه يعكس جوهر السياسة الحديثة في إسبانيا: صراع على الرواية بقدر ما هو صراع على السلطة. بين “potra” و”الأزمات”، يحاول كل طرف رسم صورة مختلفة للواقع.
في نهاية المطاف، السياسة ليست فقط ما يُنجَز. بل هي أيضاً كيف يُروى ما أُنجز. وسانشيز، في تلك اللحظة البرلمانية القصيرة، أثبت أنه يعرف كيف يروي قصته جيداً. وهذا وحده درس بالغ الأهمية في عالم السياسة الإسبانية المعاصرة.



