جاليات

رياض مزور وتصريحات الجدل: منطق المواطنة والجالية المغربية بالخارج.

 محمد كريم – لندن.

أثارت تصريحات وزير الصناعة والتجارة رياض مزور موجةً من الجدل في بعض المنابر الإعلامية المغربية. ذهب بعضهم إلى اعتبارها تقليلاً من شأن الجالية المغربية بالخارج. غير أن القراءة المتأنية لمضمون التصريح تُبيّن أن الإشكال لا يكمن في الفكرة، بقدر ما يكمن في طريقة تلقّيها وتأويلها.

تصريحات رياض مزور: قراءة في منطق المواطنة الكاملة.

حين قال الوزير، في ما معناه، إنه لا داعي للترحيب بمغاربة العالم في وطنهم، فهذه ليست عبارة إقصاء. إنها تأكيد صريح على الانتماء الكامل. مغاربة الخارج ليسوا ضيوفاً موسميين، ولا مستثمرين أجانب نُفرش لهم السجاد الأحمر. هم أبناء هذا الوطن، لهم ما لباقي المواطنين من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات.

من هذا المنطلق، يصبح الترحيب بهم بصفة “استثنائية” أقرب إلى تناقض رمزي مع مبدأ المواطنة الكاملة. فالمساواة بين المواطنين لا تقبل التجزئة.

لقاء رابطة خريجي المدارس العليا: سياق الخطاب ومقاصده.

جاءت تصريحات رياض مزور في إطار لقاء نظّمته رابطة خريجي المدارس المركزية والمدارس العليا بالمغرب. كان الإطار أكاديمياً وفكرياً بامتياز. وهذا السياق يفرض قراءةً موضوعية بعيدة عن الحساسيات الإعلامية.

لقاء رابطة خريجي المدارس العليا بالمغرب حول الجالية المغربية

التحويلات المالية للجالية: علاقة تبادلية لا علاقة مِنّة.

لا أحد ينكر أن تحويلات مغاربة الخارج ركيزةٌ أساسية في دعم الاقتصاد الوطني. فهي تُعزّز احتياطي العملة الصعبة، وتُحرّك عجلة الاستهلاك والاستثمار. وقد بلغت هذه التحويلات أرقاماً قياسية في السنوات الأخيرة، وفق بنك المغرب.

لكن العلاقة ليست أحادية الاتجاه. فالمهاجر المغربي يستفيد بدوره من خدمات مالية وقانونية، ومن فرص استثمار، ومن استقرار بلده الأم. إضافةً إلى دعمه لعائلته واقتناء عقارات أو إنجاز مشاريع شخصية. إنها علاقة تبادلية قائمة على المصالح المشتركة والانتماء العاطفي والوطني، لا علاقة مِنّة أو فضل.

الجالية المغربية: قوة استراتيجية لا تحتاج إلى مزايدات.

الجالية المغربية بالخارج تُشكّل قوةً اقتصادية واجتماعية وثقافية. وهي امتداد استراتيجي للمغرب في مختلف القارات. لكن قوتها لا تعني أنها فوق منطق الدولة، أو فوق مبدأ المساواة بين المواطنين.

المواطنة: التوازن بين التقدير والمساواة.

إن روح المواطنة تقتضي التوازن الحقيقي. تقدير مساهمة الجالية دون مبالغة شعبوية، والاعتزاز بالانتماء دون تحويله إلى ورقة ضغط رمزية. فالمغرب ليس مجرد وجهة صيفية، ولا مجرد سوق استثمار. هو وطن جامع يقوم على شعار ثابت: الله، الوطن، الملك. وهو ما يُرسّخه الدستور المغربي في مبادئه الأساسية.

الخطاب الهوياتي: حين تُقاس الكلمات بميزان الذهب.

يمكن فهم تصريحات الوزير رياض مزور باعتبارها رسالة تأكيد على الانتماء والمساواة، لا رسالة تنقيص أو استهداف. ربما كان المطلوب مزيداً من الدقة في الصياغة. فقضايا الهوية والانتماء تُقاس كلماتها بميزان الذهب.

 نحو شراكة حقيقية بين الدولة ومغاربة العالم

الأهم هو ترسيخ شراكة حقيقية بين الدولة ومغاربة العالم. شراكة قوامها الثقة والاحترام المتبادل، بعيداً عن منطق المزايدة وسوء الفهم. الإشكال الحقيقي ليس في الاعتراف بقيمة الجالية، فمكانتها راسخة ولا تحتاج إلى تأكيد. وإنما في الحساسية المفرطة تجاه أي خطاب يلامس هذا الموضوع الحساس.

مقالات ذات صلة

Back to top button