إسبانيا24.
أقدمت بلدية مدينة تراسا الإسبانية على خطوة استفزازية. رفعت علم جبهة البوليساريو في فضاء عمومي رسمي.
هذا القرار يحمل دلالات سياسية خطيرة. وهو يُهين مشاعر أزيد من 15 ألف مغربي يقطنون المدينة.
لم يكن القرار بريئًا. كان رسالة أيديولوجية واضحة في توقيت بالغ الحساسية.
تُعدّ تراسا من أكثر المدن الكتالونية استقطابًا للمهاجرين المغاربة. يشكّل المغاربة فيها شريحة ديموغرافية وازنة.
ومع ذلك، تجاهلت البلدية هذا الواقع كليًّا. تصرّفت كأن هؤلاء السكان غير موجودين.
علم البوليساريو في تراسا: انحياز أيديولوجي لا حياد مؤسساتي.
جبهة البوليساريو ليست دولة معترفًا بها في منظومة الأمم المتحدة. لا تحظى بصفة قانونية كاملة على الصعيد الدولي.
رفع علمها في فضاء رسمي يُعدّ انحيازًا سياسيًا صريحًا. وهو يتعارض مع مبدأ الحياد المؤسساتي الواجب.
تبرّر البلدية خطوتها بالدفاع عن “حق تقرير المصير”. لكنها تتجاهل عمدًا تعقيدات الملف.
النزاع حول الصحراء سياسي وإقليمي بامتياز. لا يُحلّ برفع الأعلام ولا بالشعارات الفارغة.
الحلول الجدية تحظى بدعم دولي متزايد. وعلى رأسها مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

الأخطر من ذلك أن إسبانيا كدولة تدعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي. وهي تعتبرها الحل الواقعي والجدي للنزاع.
إذن، قرار بلدية تراسا يناقض التوجه الرسمي للحكومة الإسبانية. تناقض صارخ لا يمكن تجاهله.
أين الجمعيات المغربية من علم البوليساريو في تراسا؟
السؤال المؤلم يفرض نفسه بقوة: أين الجمعيات المغربية؟ صمت مطبق، لا حسّ ولا خبر.
هذه الجمعيات تدّعي تمثيل الجالية. لكنها اختفت في اللحظة الحاسمة.
العمل الجمعوي الحقيقي يستوجب الحضور في لحظات الأزمة. يستوجب الاشتغال داخل مؤسسات القرار.
يستوجب ممارسة الضغط المؤسساتي الذكي. يستوجب بناء علاقات متينة مع الفاعلين السياسيين المحليين.
كل ذلك غائب. كأن الدفاع عن القضايا المصيرية ترفٌ لا يعني أحدًا.
فشل مزمن أم تقصير مقصود؟
الجمعيات المغربية تظهر في المناسبات الاحتفالية الموسمية. تحضر في حفلات الفولكلور والصور.
لكنها تغيب حين تُمسّ كرامة الوطن الأم. تغيب حين يُرفع علم الانفصال في فضاء عمومي.
هذا ليس تقصيرًا عرضيًا. هذا نمط متكرر يكشف خللًا هيكليًا عميقًا.
مفارقة سياسية صارخة داخل بلدية تراسا.
المفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في التركيبة البشرية لبلدية تراسا نفسها. الحزب الحاكم يضم منتخبًا من أصول مغربية.
هذا المنتخب يشرف على قطاع الرياضة.
يطرح هذا الصمت أسئلة جوهرية حول الولاءات والأولويات. هل الانتماء الحزبي يطغى على الانتماء الوطني؟
هل يُعقل أن يُرفع علم البوليساريو في مدينة بهذا الحضور المغربي؟ دون أي ردّ فعل مؤسساتي واضح؟
استغلال الفضاء العمومي لتمرير مواقف أحادية.
رفع علم البوليساريو في تراسا يُسيء لمناخ التعايش. يُغذّي الانقسام بين مكونات المجتمع المحلي.
الفضاء العمومي ملك للجميع. لا يجوز توظيفه لخدمة أجندات سياسية ضيّقة.
يُذكّر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بأن حقوق الأقليات والجاليات يجب أن تُصان.
كما يجب أن تُحترم هوياتها الثقافية وارتباطاتها الوطنية.
ما جرى في تراسا يتعارض مع هذه المبادئ. يتعارض مع منطق التمثيل المتوازن والعادل.
الصمت تواطؤ والوطن لا يُدافع عنه بالصور.
ما حدث في تراسا ليس مجرد إيماءة رمزية. هو استفزاز سياسي صريح يستهدف هوية 15 ألف مغربي.
الردّ عليه يستلزم عملًا منظّمًا وجادًا. يستلزم حضورًا مؤسساتيًا فاعلًا.
الوطن لا يُدافع عنه بالبيانات الموسمية. لا يُدافع عنه بالصور الفولكلورية.
يُدافع عنه بالتنظيم الداخلي. يُدافع عنه بالاشتغال الذكي داخل النسيج السياسي والمدني للبلدان المضيفة.
أما الصمت… فليس حيادًا. الصمت تواطؤ بالعجز، ولا أحد يمكنه تحمّل هذه التكلفة.



