جاليات

كتالونيا بين حيوية الجالية المغربية وفوضى الادعاء المدني والإعلامي

أحمد العمري – برشلونة.

تُعدّ جهة كتالونيا من أكثر مناطق إسبانيا حيويةً وتأثيرًا في مسار الجالية المغربية في كتالونيا. لا يختلف اثنان على ذلك. فهي تتميز بدينامية استثنائية على المستوى المدني والإعلامي والديني. غير أن هذه الحيوية تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مصدر توتر حقيقي. السبب؟ اختلاط الأدوار، وتضخم الذوات، وادعاء صفات لا تستند إلى كفاءة حقيقية.

الجالية المغربية في كتالونيا: حيوية تحتاج إلى ضبط.

تضم كتالونيا عددًا كبيرًا من المغاربة في إسبانيا. وقد أفرزت هذه الكثافة مبادرات مدنية وإعلامية متعددة. بعضها حقيقي وذو قيمة مضافة. وبعضها الآخر لا يعدو كونه ضجيجًا بلا مضمون.

المشكلة ليست في تعدد الأصوات. التعدد صحي ومطلوب. المشكلة تكمن في غياب معيار الكفاءة والتمثيلية الحقيقية كشرط للحضور والتأثير.

وفق المعهد الوطني للإحصاء الإسباني (INE)، يشكّل المغاربة من أكبر الجاليات الأجنبية في إسبانيا، وكتالونيا تحتضن نسبة مهمة منهم. هذا الثقل الديموغرافي يستوجب تمثيلاً مدنيًا جادًا وناضجًا.

دور العمل المدني في خدمة الجالية المغربية.

العمل المدني الفعلي يبني جسورًا بين الجالية والمجتمع المضيف. يُيسّر الوصول إلى الخدمات الإدارية. يُعزز الحضور الثقافي والهوياتي. ويفتح حوارًا بنّاءً مع المؤسسات الرسمية.

لكن هذا الدور لا يمكن أن يُؤدَّى من طرف أشخاص يفتقرون إلى الأدوات والمصداقية. الكفاءة شرط. والتجربة ضرورة. والانتداب الحقيقي من الجالية أساس لا يمكن تجاوزه.

ملف التسوية الجماعية والضغط على القنصليات.

مع إطلاق الدولة الإسبانية ملف التسوية الجماعية، تصاعد الطلب على الخدمات القنصلية المغربية. طلبات البطائق الوطنية وجوازات السفر تضاعفت. وبرزت الحاجة إلى شهادات حسن السيرة وتحرير الوكالات.

في هذا السياق، أقدمت القنصليات على فتح إمكانية طلب شهادة حسن السيرة مباشرةً. هذا إجراء لقي ترحيبًا واسعًا من أفراد الجالية المغربية في كتالونيا. وهو خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تبسيط الإجراءات الإدارية.

تقييم أداء القنصليات حق مشروع لكل أفراد الجالية. تعدد الآراء حول جودة الخدمات أمر صحي. وهو ضروري لتحسين الخدمة العمومية. لكن الخط الأحمر يبدأ حين يتحول النقد إلى تشكيك في الوطنية أو اتهام للنوايا.

النقد البنّاء مقابل التشكيك الممنهج.

ثمة فرق جوهري بين الانتقاد البنّاء والتجريح الممنهج. النقد المسؤول يستند إلى وقائع موثقة. يطرح بدائل وحلولاً. ويهدف إلى تحسين الأداء لا إلى التصفية الشخصية.

في المقابل، يتسلّح بعض الأشخاص بادعاء الوصاية على الوطن. يُقدمون كل ملاحظة موضوعية على أنها خيانة. ويتحولون إلى “حراس” وهميين للمؤسسة، يُلحقون بها الضرر عوضًا عن حمايتها.

ظاهرة “الإعلاميين الوهميين” في كتالونيا.

أفرزت سهولة النشر الرقمي ظاهرة خطيرة. ظهرت فئة تُقنع نفسها بأنها “فعاليات إعلامية”. تتحرك بلا معايير مهنية ولا أخلاقيات مهنة. وتتصدر المشهد بالضجيج لا بالمضمون.

ظاهرة الإعلاميين الوهميين على منصات التواصل الاجتماعي وتأثيرهم على الجالية المغربية في كتالونيا

في المقابل، اختارت فعاليات حقيقية ذات تجربة ومصداقية الابتعاد في صمت. تركت الساحة لمن “هبّ ودبّ”. وهذا الانسحاب، رغم مفهوميته، يُشكّل في حد ذاته جزءًا من المشكلة.

وفق تقرير منظمة مراسلون بلا حدود، فإن تراجع معايير المهنية الإعلامية في وسائل الإعلام المجتمعية يُشكّل تهديدًا حقيقيًا لجودة المعلومة داخل مجتمعات المهجر. والحالة الكتالونية ليست استثناءً.

الانسحاب من الساحة: حياد أم تواطؤ غير مقصود؟

حين تنسحب الكفاءات الحقيقية من الفضاء العام، لا يبقى الفراغ فراغًا. يملؤه الأقل كفاءةً والأعلى صوتًا. وهذا ما يحدث اليوم في المشهد المدني والإعلامي لدى الجالية المغربية في كتالونيا.

ترك الساحة ليس حيادًا. هو تواطؤ غير مقصود مع الرداءة. لذلك، فإن استعادة المبادرة من طرف الفعاليات الحقيقية باتت ضرورة لا خيارًا.

المسؤولية الدبلوماسية: الإنصات والتمييز.

يتفاقم الوضع حين يُحيط بعض المسؤولين الدبلوماسيين أنفسهم بأشخاص يفتقرون إلى الكفاءة. رأسمالهم الوحيد هو التملق والتسنطيح. يُفتح لهم المجال ويُقصى أصحاب الخبرة والرصانة. فتختل الموازين ويُفرَّغ العمل المدني من مضمونه.

على المسؤول الدبلوماسي أن يراجع علاقاته في إطار عمله الرسمي. يجب أن يُميّز بين ما هو مؤسساتي وما هو شخصي. الخلط بينهما يضر بالجالية ويُسيء إلى صورة الدولة.

تُشير دراسات المعهد الأوروبي للمتوسط (IEMed) إلى أن نجاح السياسات الموجهة لجاليات المهجر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة الوساطة المؤسساتية وانفتاحها على التقييم النقدي الموضوعي.

ربط المسؤولية بالمحاسبة.

المحاسبة ليست عقوبة. هي آلية صحية لضمان جودة الأداء المؤسساتي. العمل الدبلوماسي الموجّه للجاليات لا يُستثنى من هذا المبدأ.

الإنصات النقدي للجالية ليس ضعفًا. بل هو دليل نضج وكفاءة مؤسساتية. والمسؤول الذي يرفض النقد الموضوعي يحصّن موقعه على حساب مصالح الجالية.

نحو مشهد مدني وإعلامي أكثر نضجًا في كتالونيا.

ما تحتاجه الجالية المغربية في كتالونيا اليوم ليس مزيدًا من الأصوات المرتفعة. تحتاج إلى وقفة عقلانية لإعادة ترتيب المشهد. وردّ الاعتبار للكفاءة والخبرة والعمل الجاد.

المطلوب عمليًا يتجلى في ثلاثة محاور أساسية:

وقف تمييع العمل المدني والديني والإعلامي، عبر اعتماد معايير واضحة للتمثيل والعمل المنظم.

استعادة الفعاليات الحقيقية لمبادرتها، وملء الفراغ الذي تركه الانسحاب والصمت.

انفتاح المسؤولين الدبلوماسيين على التقييم الموضوعي، وربط المسؤولية بالمحاسبة الشفافة.

تُقدّم المنظمة الدولية لسياسات الهجرة نماذج ناجحة لجاليات في المهجر استطاعت بناء هياكل تمثيلية فعّالة. المشترك في كل هذه النماذج هو اعتماد الكفاءة معيارًا لا الصوت العالي.

رحم الله امرأً عرف قدره.

المبدأ بسيط وعادل: أن يُوضع كل شخص في مكانه الطبيعي وبحجمه الحقيقي. لسنا ندعو إلى إقصاء أحد. ندعو إلى احترام معيار الكفاءة والتجربة. ندعو إلى أن يعرف كل منّا حدوده قبل أن يُنصّب نفسه متحدثًا باسم الجالية.

من كتب جملةً بمساعدة تقنية حديثة لا يصبح تلقائيًا “منقذ البلاد”. ومن ظهر على شاشة هاتف لا يُمثّل آلاف المغاربة المقيمين في كتالونيا.

كتالونيا تستحق الأفضل.

كتالونيا تستحق الأفضل. والجالية المغربية في كتالونيا تستحق تمثيلاً حقيقيًا يليق بتضحياتها وانتظاراتها. لا أصواتًا عالية بلا مضمون.

النقد المسؤول ليس خصومة. والاختلاف ليس عداءً. بل هو الطريق الأسلم لبناء عمل مؤسساتي ناضج وفعّال.

الدعوة اليوم موجهة إلى الجميع: الفعاليات المدنية، والإعلاميين الجادين، والمسؤولين الدبلوماسيين. استعيدوا المبادرة. استعيدوا المصداقية. واستعيدوا الثقة. لأن الجالية تراقب، وتستحق أفضل مما يُقدَّم لها اليوم.

 

مقالات ذات صلة

Back to top button