جاليات

مساجد بلا قبور: حين يُخطئ المشرفون ترتيب الأولويات.

بين بناء المساجد وأولوية المقابر الإسلامية.

أحمد العمري- برشلونة.

تواجه الجالية المسلمة في إسبانيا مفارقة صارخة. بينما تتكاثر المساجد في المدن الإسبانية، تبقى المقابر الإسلامية شحيحة. هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا نهتم بفضاءات العبادة للأحياء، بينما نهمل كرامة الأموات؟

يعيش في إسبانيا حوالي مليوني مسلم. معظمهم استقر بشكل دائم في البلاد. الأجيال الجديدة من المسلمين ترى إسبانيا وطناً نهائياً. لم يعد الحلم بالعودة إلى بلد الأصل خياراً واقعياً.

رغم ذلك، عدد المقابر الإسلامية محدود جداً. بعض المدن الكبرى لا تملك حتى مقبرة واحدة. هذا يجبر العائلات على نقل الموتى إلى المغرب أو دول أخرى. لذلك، أصبحت المقابر الإسلامية في إسبانيا ضرورة ملحّة، وليست ترفاً.

تكلفة إنشاء المقابر الإسلامية: استثمار ممكن.

شراء وعاء عقاري في ضواحي برشلونة يتراوح بين 150 ألف و400 ألف يورو للهكتار. هذه التكلفة تنخفض في المناطق الأقل كثافة سكانية.

أما تهيئة المقبرة، فتشمل التسييج والممرات وقاعة الغسل والمرافق الإدارية. هذه العناصر تتطلب ما بين 200 ألف و500 ألف يورو.

الاستثمار الأولي للمقبرة الإسلامية.

مشروع مقبرة متوسطة يحتاج إلى استثمار أولي بين 500 ألف ومليون يورو. هذا المبلغ لا يختلف كثيراً عن تكلفة بناء مسجد متوسط الحجم في ضواحي برشلونة.

الصيانة السنوية تتراوح بين 40 ألف و100 ألف يورو. هذا يعتمد على حجم المقبرة وطبيعة التدبير المعتمد. التكاليف تشمل الصيانة والحراسة والإدارة.

بالمقارنة، مسجد واحد قد يكلف مليون يورو أو أكثر. إذا كانت الجالية قادرة على بناء عشرات المساجد، فهي قادرة على بناء مقابر. السؤال إذن ليس في الإمكانيات المالية، بل في الإرادة وترتيب الأولويات.

الموارد موجودة، لكن التوجه غائب. حملات التبرع للمساجد تحقق نجاحاً كبيراً. لماذا لا نطبق نفس الحماس على المقابر؟

تكلفة الدفن في إسبانيا: عبء ثقيل على الأسر المسلمة.

تكلفة الدفن في إسبانيا تتراوح بين 2500 و6000 يورو. في حال نقل الجثمان إلى المغرب، قد تصل التكلفة بين 3000 و 8000 يورو. هذه الأرقام تمثل عبئاً كبيراً على العائلات متوسطة الدخل.

التكلفة تشمل خدمات الغسل والتكفين والنقل. في حالة الوفاة، تجد الأسر نفسها أمام خيارين صعبين. إما دفع مبالغ ضخمة للنقل، أو البحث عن مقبرة قريبة.

مقارنة تكاليف الدفن في أوروبا.

في فرنسا، تتراوح التكلفة بين 3500 و7000 يورو. أما في ألمانيا، فتصل إلى ما بين 3000 و8000 يورو. هذه الأرقام تؤكد أن التكلفة في إسبانيا ليست استثنائية.

الفرق أن فرنسا وألمانيا لديهما شبكة أوسع من المقابر الإسلامية. هذا يسهل على العائلات إيجاد حلول قريبة. في إسبانيا، الخيارات محدودة جداً.

في المغرب، التكلفة أقل بكثير. لكن مع احتساب تكاليف النقل الدولي، تصبح الكلفة الإجمالية مرتفعة جداً. النقل الجوي وحده يكلف آلاف اليوروهات.

وجود مقابر إسلامية محلية مجهزة يخفف العبء المالي والنفسي. كما يضع حدًا لابتزاز بعض شركات الوساطة التي تستغل حاجة الناس.

ذهنية مؤقتة لجالية مستقرة.

شباب مسلم في إسبانيا يمثل الجيل الجديد المستقر

المفارقة الصارخة أن جزءاً من المشرفين على الشأن الديني ما زال يفكر بعقلية “الإقامة المؤقتة”. بينما الأجيال الجديدة ترى إسبانيا وطناً نهائياً. هذا الانفصال بين القيادة والقاعدة يخلق مشكلة حقيقية.

كثير من الشباب ولدوا ونشأوا في إسبانيا. لغتهم الأم هي الإسبانية. أصدقاؤهم ووظائفهم ومستقبلهم هنا. هؤلاء الشباب لا ينتظرون مقعداً في مقبرة بقرية بعيدة. بل يعتبرون الدفن في أرض نشأتهم حقاً مدنياً بديهياً.

مشاريع المقابر لا تحظى بنفس الحماس الذي يُرافق مشاريع المساجد. الزخم الخطابي والتعبوي غائب تماماً. لماذا؟ ربما لأن الموضوع يتطلب تفكيراً طويل المدى.

الحاجة لإعادة تقييم الأولويات.

المساجد مهمة كفضاءات عبادة وتأطير وهوية. لكن الإلحاح اليوم يتجه نحو سؤال أبسط وأكثر جوهرية. المسجد للحياة، والمقبرة للموت. كلاهما ضروري.

كيف نقبل بتوسيع فضاءات العبادة، بينما نعجز عن ضمان فضاءات دفن تحفظ كرامة موتانا؟ هذا السؤال يستحق إجابة صريحة من المسؤولين.

بعض المدن شهدت خلافات حول بناء المساجد. لكن لم نشهد نفس النقاش حول المقابر. ربما لأن الموضوع أقل جاذبية إعلامياً. لكنه أكثر إلحاحاً إنسانياً.

بين الوعظ والشفافية: أزمة ثقة.

أحد أبرز مصادر الاحتقان يتعلق بطبيعة الخطاب المعتمد. حملات جمع التبرعات يغلب عليها الطابع الوعظي المرتبط بالثواب الأخروي. هذا ليس سيئاً في حد ذاته، لكنه غير كافٍ.

الناس اليوم تريد أن ترى أين تذهب أموالها. تريد أرقاماً حقيقية وخططاً واضحة. في المقابل، هناك غياب واضح للشفافية. تقارير مالية مفصلة وعلنية غير متوفرة. دراسات جدوى واضحة غائبة تماماً.

بعض الجمعيات تنشر تقارير سنوية، لكنها تبقى عامة جداً. التفاصيل المالية مفقودة. كم تم جمعه؟ كم تم إنفاقه؟ على ماذا بالتحديد؟

غياب التخطيط الاستراتيجي.

خطط استراتيجية بعيدة المدى غير موجودة. نقاش تشاركي داخل الجالية نادر الحدوث. القرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، دون استشارة القاعدة.

غياب الشفافية حول الأرصدة المالية لبعض الهيئات يزيد من منسوب الشكوك. حتى وإن كانت الأرقام المتداولة غير موثقة رسمياً. الشفافية تبني الثقة، والكتمان يولد الشك.

المشكلة ليست في الدين، بل في التدبير. الحلول تقنية وإدارية، وليست دينية بحتة. نحتاج إلى خبراء في التخطيط المالي والإداري.

بعض الدول الأوروبية نجحت في حل هذه المشكلة. فرنسا وبلجيكا وألمانيا لديها نماذج يمكن الاستفادة منها. لماذا لا نتعلم منها؟

إعادة ترتيب الأولويات قبل فوات الأوان.

لا أحد يجادل في أهمية المساجد. فهي فضاءات عبادة وتأطير وهوية للمسلمين في إسبانيا.

لكن الإلحاح اليوم يتجه نحو سؤال جوهري: كيف نضمن كرامة الأموات؟ بناء المقابر الإسلامية ليس مشروعاً هامشياً.

مؤشر على نضج الجالية.

إنشاء المقابر مؤشر على نضج الجالية المسلمة. يعكس انتقالها من وضعية الضيف إلى وضعية المكوّن المجتمعي الكامل. الجالية الناضجة تفكر في المستقبل البعيد.

المقبرة رمز للاستقرار والانتماء. عندما تدفن أجدادك في مكان، فأنت تقول: هذا وطني. هذه رسالة قوية للأجيال القادمة.

ربما حان الوقت للانتقال من خطاب العاطفة إلى منطق التخطيط. من ثقافة التبرع الموسمي إلى رؤية مؤسساتية شاملة. نحتاج إلى مؤسسات قوية، لا مبادرات فردية.

كرامة الإنسان حياً وميتاً.

المجتمعات تُقاس بمدى احترامها لكرامة الإنسان. هذا الاحترام يشمل الأحياء والأموات على حد سواء. الدفن الكريم حق أساسي لكل إنسان.

الجالية المسلمة في إسبانيا تحتاج إلى إعادة نظر جذرية. المقابر الإسلامية يجب أن تكون على رأس الأولويات. ليس بديلاً عن المساجد، بل إضافة ضرورية لها.

الموارد موجودة، والحاجة ملحّة. ما ينقص هو الإرادة والتخطيط الاستراتيجي. القوانين الإسبانية تسمح بإنشاء مقابر دينية. العائق ليس قانونياً، بل تنظيمياً.

نحتاج إلى حملة توعية شاملة. يجب أن يفهم الجميع أهمية هذا المشروع. المقابر ليست موضوعاً محرجاً، بل ضرورة حياتية.

حان الوقت للعمل. فالأموات لا ينتظرون، والأجيال القادمة تستحق أفضل من هذا الواقع. كل سنة تمر بدون مقابر كافية تعني مزيداً من المعاناة للعائلات.

المطلوب اليوم ليس مزيداً من الخطب، بل خطط عملية وشفافية كاملة. فقط عندها يمكننا القول إننا نحترم كرامة الإنسان حقاً. الكلام سهل، والتنفيذ هو التحدي الحقيقي.

مقالات ذات صلة

Back to top button