الرأي

بين القيل والقال: المناسبات الوطنية في كتالونيا بين الانتماء وصراعات الوجوه.

أحمد العمري- برشلونة.

مع حلول كل مناسبة وطنية مغربية، يتجدد الجدل داخل أوساط الجالية المغربية بكتالونيا. يدور النقاش حول طبيعة الأنشطة المنظمة، ومن يحضر ومن يُستبعد، ومن يحق له رفع شعار الوطنية. بين أجواء احتفالية مليئة بالفخر وبين تعليقات نقدية من بعيد، تتكرر نفس الوجوه في المشهد الجمعوي.

 

هذا الواقع يطرح تساؤلات عميقة حول الهوية والانتماء. هل تعكس هذه الأنشطة روح الوطنية الحقيقية؟ أم أنها تحولت إلى ساحة للمصالح الشخصية؟

رؤى متباينة حول الأنشطة الوطنية

تنقسم الجالية المغربية في كتالونيا إلى فئتين رئيسيتين في نظرتها للاحتفالات الوطنية. الفئة الأولى ترى في هذه الأنشطة تعبيرًا صادقًا عن حب الوطن. إنها فرصة للالتقاء وتبادل الفرح بالمناسبة دون حسابات معقدة.

 

احتفالات الجالية المغربية باسبانيا

أما الفئة الثانية فتنتقد احتكار المشهد. يرون أن الساحة أصبحت مغلقة على مجموعة محدودة من الأسماء. هذه الأسماء تتكرر في كل حدث دون إتاحة الفرصة لوجوه جديدة.

غياب الطاقات الشابة

يشكو كثيرون من عدم وجود فرص للشباب المغربي. الجيل الجديد يمتلك أفكارًا مبتكرة وحيوية. لكن البيروقراطية والمحسوبية تحول دون مشاركتهم الفعلية في المشهد الجمعوي والثقافي.

وفق مجلس الجالية المغربية بالخارج، يبلغ عدد المغاربة في إسبانيا حوالي 800 ألف نسمة. نسبة كبيرة منهم تتركز في كتالونيا، مما يجعل التنوع والشمولية أمرًا ضروريًا.

الجهات المنظمة: بين الخاص والعام

تختلف طبيعة الجهات المنظمة للأنشطة الوطنية في كتالونيا بشكل ملحوظ. هناك من ينظم بصفة خاصة، مستثمرًا في المناسبة الوطنية كإطار احتفالي تجاري. هذا النموذج مشروع طالما لم يعتمد على المال العام.

 

الفعاليات التجارية

في هذا النوع من الفعاليات، يدفع الحاضر ثمن التذكرة ويستمتع باللحظة. لا توجد وصاية أو اتهامات في الوطنية. إنه احتفال مفتوح لكل من يرغب في المشاركة.

الجمعيات والمؤسسات

في المقابل، نجد جمعيات ومؤسسات تستغل الرمزية الوطنية لإقامة لقاءات. توجه الدعوات فيها وفق معايير القرب والولاء. أحيانًا تُفتح بشكل محدود أمام العموم، مما يخلق شعورًا بالإقصاء.

تشير وزارة الخارجية الإسبانية إلى أهمية دور الجمعيات في دمج المهاجرين. لكن السؤال يبقى: هل تقوم هذه الجمعيات بدورها على أكمل وجه؟

دور القنصلية المغربية ببرشلونة

يجمع كثيرون على أن التوترات في برشلونة تفاقمت بسبب القنصل السابق. الفراغ الذي تركه ساهم في زيادة حالات التشنج والانقسام. هذا أثر سلبًا على النسيج الجمعوي المغربي بالمنطقة.

 

القنصلية العامة للمملكة المغربية ببرشلونة

 

الآمال المعقودة على القنصل الجديدة

مع تعيين القنصل الجديدة، تتطلع الجالية إلى صفحة جديدة. المطلوب عمل قنصلي قائم على الانفتاح والتواصل. يجب أن يكون بعيدًا عن منطق الإقصاء والمحاباة.

الدور المنتظر من القنصلية المغربية ببرشلونة ليس إداريًا فقط. يجب أن تساهم في جمع الشمل وإحياء الروح الوطنية الحقيقية.

نماذج إيجابية في مناطق أخرى

تُظهر مناطق مثل تراغونة وخيرونا نموذجًا أكثر هدوءًا. تُنظم فيها لقاءات وندوات تركز على التقريب بين وجهات النظر. رغم بعض الانتقادات الجانبية، إلا أن الأجواء أكثر تعاونًا.

 

عوامل النجاح

يعود نجاح هذه المناطق إلى عدة عوامل. أولها التواصل الفعال بين الجمعيات. ثانيها الشفافية في اتخاذ القرارات. وثالثها الانفتاح على جميع المكونات دون تمييز.

ثقافة “تمحضيت” وتأثيرها السلبي

من أبرز المشاكل التي تعاني منها الجالية هي ثقافة “تمحضيت”. هذه العبارة المغربية تعني “حضيني نحضيك”. إنها ثقافة المحسوبية والمصالح الشخصية.

 

هذه الثقافة لا تخدم إلا من يبحث عن الأضواء. تضر بالمصلحة العامة وتزيد من الانقسامات. المطلوب هو قطيعة واضحة مع هذا النمط.

كيفية تجاوز هذه الثقافة

التجاوز يتطلب وعيًا جماعيًا. يجب وضع معايير واضحة للمشاركة في الأنشطة. الشفافية في الإدارة المالية ضرورية. كذلك الانفتاح على الكفاءات الشابة أمر حتمي.

المطلوب من الجميع

الطريق نحو التغيير ليس سهلاً. لكنه ممكن بقدر من الجرأة والمسؤولية. يجب تنظيم البيت الداخلي للجالية المغربية في كتالونيا.

الحياء والاحترام المتبادل

أول خطوة هي التحلي بالحياء والاحترام. الوطن أكبر من الأشخاص والمصالح الفردية. الاحتفال بالمناسبات الوطنية لا يُقاس بعدد الصور أو الدعوات.

 

يُقاس بصدق النية وحسن العمل. المطلوب مشاركة جماعية حقيقية لا استعراضات فارغة.

دور الجيل الجديد

الجيل الجديد من المغاربة في كتالونيا يحمل أملاً كبيرًا. هم أكثر انفتاحًا وأقل ارتباطًا بثقافة المحسوبية. يجب إفساح المجال لهم للمساهمة الفعلية.

وفق الأمم المتحدة، تلعب الأجيال الجديدة من المهاجرين دورًا محوريًا في بناء الجسور. هم همزة وصل بين ثقافتين ومجتمعين.

 نحو جالية موحدة

المناسبات الوطنية يجب أن تكون فرصة للتوحد لا للانقسام. الجالية المغربية في كتالونيا تمتلك طاقات هائلة. لكنها بحاجة إلى قيادة حكيمة وإدارة شفافة.

الآمال كبيرة على القنصلية الجديدة والجمعيات والأفراد. الجميع مطالب بالمساهمة في بناء مشهد جمعوي صحي. مشهد يحترم التنوع ويشجع المشاركة الفعلية.

الوطنية الحقيقية ليست شعارات ترفع أو صور تلتقط. إنها التزام يومي بخدمة المجتمع والحفاظ على الهوية. إنها مد جسور التعاون بدل بناء جدران الإقصاء.

لنجعل من المناسبات الوطنية القادمة نموذجًا للوحدة. لنتجاوز ثقافة “تمحضيت” ونبني جالية قوية متماسكة. الوطن يستحق منا أفضل ما لدينا، لا أسوأه.

مقالات ذات صلة

Back to top button