تصوير ومتابعة- أحمد شويخين – أحمد العمري.
في لحظة إنسانية مؤثرة افتتحت محامية شابة من الجيل الثاني لأبناء الجالية المغربية بمدينة تراسا فعاليات حفل الإفطار الرمضاني الذي نظمته جمعية أسكاف، عندما استحضرت مسارها الشخصي مؤكدة أن ابنة عامل بناء وربّة بيت يمكنها أن تصبح محامية. كلماتها لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل رسالة أمل قوية جسدت نموذجًا حيًا لنجاح شباب مغاربة العالم، وأبرزت كيف يمكن لعزيمة الأسرة والإصرار على التعلم أن يفتحا أبواب النجاح أمام أبناء الجالية.

جاء هذا الحفل ليجسّد روح شهر رمضان المبارك في أبهى صورها. فقد تحول من لقاء سنوي عادي إلى منصة احتفاء حقيقية بنجاح نساء مغربيات في إسبانيا. وقد أعطت هذه الاحتفالية دلالة عميقة لليوم العالمي للمرأة الذي تزامنت معه.
قصة نجاح نسائي: من بيت متواضع إلى قاعة المحكمة.
تولّت المحامية الشابة تقديم فقرات الحفل وإدارة التنشيط بأناقة ومهنية. تحدثت عن رحلتها الدراسية الطويلة. ووصفت التحديات التي واجهتها حتى ولجت مهنة المحاماة. وأكدت أن الدعم الأسري والإيمان بالنفس كانا المفتاحين الأساسيين لتحقيق الحلم.

لقيت كلمتها تفاعلًا كبيرًا من الحضور. جاء هذا التفاعل طبيعيًا ومفهومًا. فكثيرون في القاعة يعيشون ظروفًا مشابهة أو رأوا فيها أنفسهم وأبناءهم. وقد كانت رسالتها دليلًا عمليًا على أن النجاح ممكن رغم كل الصعاب.
أم لثلاثة أبناء تعود إلى المدرج الجامعي.
لم تكن قصة المحامية الشابة الوحيدة التي أضاءت أجواء الحفل. كُرِّمت أيضًا عضوة بارزة في جمعية أسكاف. هذه المرأة القوية كانت أمًا لثلاثة أبناء. ومع ذلك قررت أن تحقق حلمها بالدراسة الجامعية. اجتازت امتحان الولوج الخاص بالراشدين الذين تتجاوز أعمارهم خمسة وعشرين سنة. ثم تخرجت ومارست مهنة المحاماة.

قالت في كلمتها إن العودة إلى الدراسة لم تكن سهلة. مسؤوليات الأسرة وتربية الأطفال كانت ثقيلة. لكنها شددت على أن الإرادة القوية تتجاوز كل صعوبة. وأضافت: “المستحيل لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام المرأة”. كانت رسالتها واضحة لكل النساء: الإيمان بالقدرات ومواصلة التعلم مهما كانت الظروف.
جمعية أسكاف: ركيزة مجتمعية راسخة في كتالونيا.
يعكس حفل الإفطار الرمضاني لجمعية أسكاف مكانتها المتنامية. فهي ليست مجرد جمعية مدنية عادية. أصبحت شريكًا مؤسسيًا حقيقيًا في النسيج الاجتماعي لكتالونيا. ويتجلى ذلك في قائمة الحضور المتميزة التي شهدها الحفل.

حضر الحفل ممثل القنصلية العامة للمملكة المغربية في برشلونة، نائب القنصل السيد أوصار. وكانت بلدية تراسا حاضرة من خلال عدد من المصالح البلدية ومستشارين جماعيين. كما مثّل الاجهزة الأمنية ضباط من الشرطة المحلية ومن موسوس دي إسكوادرا. إضافة إلى ممثلي أحزاب سياسية عدة وفعاليات مدنية ودينية. وفي مقدمة الحضور الديني كان اتحاد الجمعيات الإسلامية بكتالونيا السيد محمد الغيدوني، ورئيس ديوان المظالم بالمدينة السيد مصطفى بلفاسي ، والنائبة البرلمانية المغربية عائشة الكرجي.
كلمة البلدية: التعايش درع في مواجهة خطاب الكراهية.
ألقت ممثلة بلدية تراسا، لويسا، كلمة قوية ومؤثرة. أكدت أهمية التحالف بين المؤسسات والمجتمع المدني. وشددت على ضرورة مواجهة خطابات الكراهية التي يروّج لها اليمين المتطرف. وأشارت إلى أن مدينة تراسا نموذج للتعايش والتنوع. هذا النموذج تحقق بمساهمة جميع أبنائها بمختلف أصولهم وثقافاتهم.
كما أشادت المسؤولة البلدية بدور نساء المدينة في بناء الأجيال. وأكدت أن نجاح النساء من أصول مهاجرة يمثّل قيمة مضافة للمجتمع بأكمله.
الفنان عادل العمراني: روحانية رمضان في أجمل تجلياتها.
أضفت الفقرات الفنية للحفل طابعًا روحانيًا خاصًا. أحيا هذه الفقرات الفنان المغربي عادل العمراني المقيم في إسبانيا. يُعدّ من الأصوات الفنية المعروفة بين مغاربة المهجر. قدّم وصلات إنشادية وروحية أضفت على الحفل جمالًا ورونقًا استثنائيًا.

جعل العمراني الحفل لحظة احتفاء إنسانية وثقافية في آنٍ واحد. جمعت بين روحانية الشهر الفضيل وجمال الفن الراقي. وأكدت مجددًا أن الجالية المغربية في إسبانيا تحمل إرثًا ثقافيًا غنيًا تُقدّمه للمجتمع المستضيف بكل فخر.
حفل الإفطار رسالة أمل ونجاح مغربي في إسبانيا.
لم يكن حفل الإفطار الرمضاني لجمعية أسكاف في تراسا حدثًا عاديًا. كان احتفاء بالإنسان وبقدرته على تجاوز العقبات. وكان شهادة حية على أن أبناء وبنات الجالية المغربية في إسبانيا يصنعون قصص نجاح حقيقية. يكتبونها بعرق الجبين وإصرار الأسرة وقوة الإيمان بالمستقبل.
قصص كهذه لا تُلهم الجالية المغربية وحدها. بل تُلهم كل إنسان يواجه تحديًا ويحلم بغدٍ أفضل. وفي كل مرة تقف فيها امرأة لتقول: “أنا فعلتها”، تفتح أبوابًا للأمل أمام مئات غيرها.




