أحمد العمري – برشلونة.
تثير بعض الممارسات الأخيرة للقنصلية المغربية ببرشلونة تساؤلات حول الحياد والمساواة في التعامل مع الجالية. فبين تنظيم الفعاليات والوساطة المالية، يبرز سؤال جوهري: هل تحافظ القنصلية على مسافة واحدة من جميع المغاربة؟
حق التنظيم بين المشروعية والشفافية.
يبقى من حق أي فرد أو جمعية تنظيم اللقاءات والأنشطة. هذا الحق مكفول ضمن العمل الجمعوي للجالية المغربية بالخارج. لكن الشفافية والحياد يجب أن يكونا المعيار الأساسي.
في هذا السياق، جاء اللقاء الذي نظمه أحد اليوتيوبرز، بإحدى مطاعم الفوروم بمدينة برشلونة، بمناسبة متابعة مباراة المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم. وهي مبادرة ليست جديدة على الجالية المغربية بجهة برشلونة، التي اعتادت منذ سنوات—وكان آخرها خلال مونديال قطر—تنظيم لحظات جماعية لمتابعة مباريات “أسود الأطلس” في أجواء تطبعها الفرحة والاعتزاز الوطني، وغالبًا ما كانت تُنظم بشكل يليق بالمناسبة وبقيمة الإنجاز.
اللقاء المذكور عرف حضور القنصل العام للمملكة المغربية ببرشلونة، إلى جانب ضيوف آخرين، في حين طُلب من باقي الحاضرين أداء 25 يورو مقابل وجبة العشاء، وهو أمر يظل، إلى حدود هذه النقطة، عاديًا ومقبولًا.
من اللقاء الخاص إلى الرعاية الرسمية.
غير أن ما يثير الاستغراب، بل ويستدعي النقاش، هو ما تلا ذلك. إذ جرى، في خطوة لاحقة، تبنّي القنصلية لنشاط مماثل لمتابعة مباراة المغرب ضد تنزانيا برسم دور الثمن، مع استدعاء اسم وازن في تاريخ الكرة المغربية، الحارس العملاق بادو الزاكي، وتنظيم الحدث في فضاء آخر يليق بالضيوف وبالتمثيلية القنصلية، خصوصًا بعد الجدل الذي أثارته صورة القنصل وهي تلقي كلمة في اللقاء الأول وخلفها باب دورة المياه، في حضور أسطورة الكرة المغربية محمد التيمومي.
التمويل والوساطة: أين ينتهي الحياد القنصلي؟
المشكلة الحقيقية تكمن في التمويل. توسطت القنصلية لدى مؤسسة بنكية مغربية لتمويل النشاط. هذا التصرف يثير أسئلة مشروعة عن معايير الانتقاء والمحاباة.
هل ستتكرر هذه الوساطة مع جمعيات أخرى؟ أم أن الدعم يقتصر على أطراف محددة؟ الحياد القنصلي يفرض المساواة في التعامل مع الجميع.

تحديات كتالونيا وضرورة الحياد.
كتالونيا منطقة معقدة ظلت عصية على من تعاقبوا في تدبير شؤونها. بعض المحيطين بالقنصلية لا يملكون صفة تمثيلية حقيقية. هذا يضاعف حساسية الموضوع ويفرض الحذر الشديد.
العمل القنصلي الناجح يتطلب التواصل مع جميع مكونات الجالية. الانحياز لطرف دون آخر يهدد الاستقرار والثقة.
إنجازات القنصلية: الجانب الإيجابي.
رغم الملاحظات النقدية، حققت القنصلية إنجازات ملموسة. تحسنت جودة الخدمات القنصلية بشكل واضح. تسارعت مواعيد المعاملات والإجراءات الإدارية.
التعامل المرن والصرامة المهنية.
أظهرت القنصلية مرونة في الحالات المستعجلة. طبّقت صرامة مهنية ضد السلوكيات المشبوهة. هذه المجهودات تستحق التقدير والتنويه الكامل.
لكن النجاح الحقيقي يقاس بالاستمرارية والعدالة. العبرة ليست بالبدايات فقط، بل بالخواتيم أيضاً.
مستقبل العمل القنصلي ببرشلونة.
يحتاج العمل القنصلي إلى استراتيجية واضحة. المساواة في التعامل ضرورية لتجنب الانقسامات. يجب رفض “أهل الحل والعقد” المفروضين على الجالية.
معايير التعاون مع الفاعلين.
التعاون يجب أن يشمل الجميع بمعايير شفافة. الدعم المالي والمعنوي لا يُمنح حسب القرب الشخصي. وزارة الخارجية المغربية تؤكد على أهمية الحياد.
القنصلية ليست منصة للترويج الشخصي. دورها خدمة الجالية دون تمييز أو محاباة.
الحياد طريق النجاح.
نجاح أي قنصلية يقاس بحيادها وعدالتها. التعامل بمسافة واحدة من الجميع يضمن الاستقرار. الوساطة المالية لصالح البعض تهدد المصداقية.
القنصلية المغربية ببرشلونة أمام فرصة لترسيخ نموذج قائم على الشفافية. الجالية تستحق معاملة عادلة بعيداً عن المحسوبية والانتقائية.
المستقبل يتطلب التزاماً صارماً بالحياد. فقط هكذا يمكن جمع المغاربة لا تفريقهم.



